المقالات

العدد 1919 - 12/8/2006



وميض حياة.. في عتمة القتل

ليس يستطيع المرء أن ينفصل عن (أحداث أمته) ولا سيما تلك الأحداث المشحونة بنذر الموت في لبنان وفلسطين والعراق، ولا يستطيع - كذلك - إلا أن يعبر عنها في هذه الصورة أو تلك.
بيد أنه مهما كان حجم الأحداث وضغطها ومرارتها فإن الحياة يجب أن تستمر، وما ينبغي لأحد أن يجعل هذه المآسي (مأتماً دائماً)، وبكائية مفتوحة، بل إن على العين التي ترى الدم والخراب والقبح: أن ترى (الوردة) والجمال، وأن ترى وميض الحياة والإبداع.
وكمحاولة لتطبيق هذه (النظرة المتوازنة)، فقد فتحنا أعيننا - في هذه الظروف المكفهرة - على وميض حياة وجمال ومعرفة وإبداع:
1 - فيزيائي سعودي - هو الدكتور محمد الأحمري - (يجتهد) - علمياً - في إعادة النظر في نظرية (الانفجار العظيم) الذي تكون على إثره الكون، وينصب تصحيح الدكتور الأحمري - مثلاً - على المسألة الأحادية البعد، والنسيج ثنائي البعد.. ويقوم هذا الفيزيائي السعودي بإجراء اتصالات مع جامعة وسترون الأمريكية لتسجيل براءة اختراعه.
2 - حصل طالبان سعوديان - في المرحلة الثانوية - هما تركي الشمري، ومحمد القحطاني - على المركزين الأولين في نهائيات مستوى مدارس السعودية. ولقد أهلهما هذا النبوغ والتفوق والفوز إلى الدخول في مسابقة عالمية تنظمها أكاديمية العلوم البولندية تحت عنوان (بداية الطريق نحو نوبل).. وموضوعا تفوق تركي الشمري هما (الحلم الأعظم لدى الفيزيائيين) و(كيف نحمي البشرية من الإشعاعات).. أما محمد القحطاني فقد تفوق في بحث موضوعه (كواشف الإشعاعات النووية).
3 - قرأت مقالاً بديعاً لطالب الدكتوراه: أحمد بن زيد الحسين بعنوان (من سفوح الوهن إلى مراقي العز).. وقد بدأ مقالة بمقدمة أدبية جذابة: تحفز اليافعين والشباب على (التفكير المبدع)، وتسكب في نفوسهم الهمة المعرفية، والطموح العلمي.. ثم نفذ إلى جوهر موضوع المقال وهو: إحياء (تراث المسلمين العلمي) في مختلف المجالات، بمعنى (تنشيط ذاكرة) الأجيال الجديدة تجاه ذلك التراث، تنشيطاً موصولاً بما ينبغي أن تحرزه هذه الأجيال من معارف وعلوم في الحاضر والمستقبل، إذ لا يكفي (تذكر المجد) بل لا بد من دعم المجد الأول: بمجد حاضر ومستقبل.
وفي المقال (صيغة تطبيقية) ناجزة، إذ اقترح الكاتب: إقامة معرض دائم - في مدينة الرياض - ينتظم إبداعات العلماء المسلمين واكتشافاتهم في مختلف العصور.. ومن وظائف المعرض: توثيق اختراعات العلماء المسلمين بالصور والمخطوطات.. إقامة محاضرات ولقاءات.. تنظيم مسابقات علمية يتنافس فيها الشباب على الابتكارات العلمية الجديدة.. إيجاد نسخة متنقلة من المعرض بين عواصم العالم المهمة مثل واشنطن وباريس ولندن وطوكيو.
ألم نقل: إن العين ينبغي: أن تحدق - بالاختيار - في الجمال والإبداع، كما ترى - بالاضطرار - الدماء النازفة والخراب والقبح؟
وبمناسبة وَصْل حاضرنا ومستقبلنا المعرفي بـ (تراثنا العلمي)، فإننا نقرأ - على سبيل المثال - ما كتبه جون ديزموند برنال في كتابه المهم (العلم في التاريخ)، إذ كتب يقول: «كان الأثر المباشر للنهضة العربية الإسلامية هو التنشيط الكبير للثقافة والعلوم. فقد أصبح الإسلام نقطة التجمع للمعارف الآسيوية والأوروبية، ومن ثم تدفقت في هذا المجرى المشترك سلسلة من المخترعات لم تكن متاحة أو معروفة للتكنولوجيا اليونانية أو الرومانية، وقد أدت هذه المخترعات إلى قيام صناعات مثل صناعة الصلب، والحرير، والورق، والخزف، وهذه بدورها أرست قواعد أخرى استطاعت أن تحفز الغرب نحو ثورته التكنولوجية والعلمية الكبرى في القرنين: السابع عشر والثامن عشر.. ومن العسير أن يقدر المرء قيمة الإسهام الحقيقي الذي قدمه العلماء المسلمون أنفسهم إلى رصيد المعرفة. وعندما يقرأ المرء الأعمال العلمية الإسلامية فإنه يجد في تناولهم لها أسلوباً واعياً يتفق مع ما عرف عن أسلوب العلوم الحديثة».
هذا المجد المعرفي العظيم: يجب أن يتعزز بإبداعات واختراعات وإضافات علمية ومعرفية في الحاضر والمستقبل. ومن هذا كانت فرحتنا - في هذا الزمن الحزين - بومضات الإبداع السعودية من خلال: محمد الأحمري، وتركي الشمري، ومحمد القحطاني، وأحمد بن زيد الحسين الذي نقترح: أن تتبنى مقترحاته الجهات المعنية.