أعتقد أنكم تعبتم كما تعبنا من تقليعات الشرق الأمريكية: فمرة هو شرق أوسط حاف جاف، يدخل إسرائيل كقلب ولب، وكسرطان، لترتكب من المجازر والحروب ما يجعله شرخاً لا شرقاً حيث يفترض أن تكون الشمس والدفء والسلام، والمحبة والإيمان.
ومرةً هو شرق أوسط كبير حسب كولن باول الذي رحل بعد أن أفسد الأخضر واليابس ولم يتحقق حلمه الواهم، وذلك بإدخال العراق- الأنموذج الديمقراطي الحر.. إلى آخر سيل الأوهام التي لا نراها في الواقع إلا دماءً وأشلاء.
أما آخر موديل للشرق، شرقنا المنكوب، حسب الجميلة الفاتنة رايس، ذات الفكر الوقاد، والرؤية الثاقبة، فهو شرق أوسط جديد.
ولا تسألوني هنا ما معنى ذلك، لكن أي غبي في هذا الكون يدرك الهدف من ذلك، وهو جعل إسرائيل المهيمنة على السلم والحرب، وأمريكا السيدة المطاعة الأولى، وجعلنا بلا هوية ولا قيمة، بل مجرد أرقام صغيرة قابلة للضغط، والاندماج، والجبر كأي رقم عشري.
والحقيقة أن الجميلة الحالمة رايس لا يحق لها، أو لإدارتها التحدث عن شرقٍ جديد، ولا عن بطيخ جديد، لأن الشرق الذي رأيناه عبرها في العراق مثلاً، هو شرق دمار، وفتنة، وقتل، وحرق، ونهب، وكذب، وانفلات أمني، وظلم، وشذوذ، وفوضى، واغتيالات، وسجون مكتظة، وتعذيب، وفقر، وجوع، وتشريد، وموت بطيء.
وشرق رايس الجديد شرق أعمى، ونحن أهل نور وإيمان.
فشرقها المزعوم أغمض عينيه لتقوم إسرائيل بأكبر وأبشع إرهاب منظم عرفه التاريخ، بدءاً من تدمير بنية بلد مستقل متحضر هو لبنان، حتى قتل الأطفال والنساء بالمئات ودفنهم أحياء، وما قانا إلا نقطة في بحر الدم والمجازر الرهيبة التي ترتكبها إسرائيل، دولة الغرب، منذ عقود، وقبل ذلك كان العمى التام عما يجري في فلسطين.
إنه ليس بشرق جديد. إنه شرق ذليل مسحوق ممسوخ.
إنه شرق لا ينزف فيه الدم إلا نحن.
ولا تغتصب فيه حقوق إلا حقوقنا.
هو شرق ذل وانكسار، وشرق وهم كشرق باول الكبير الذي انتهى.
وهو شرق لا يمكن أن يكون، ولا أن يشرق.
مشكلة بوش وبلير وأولمرت ورايس أنهم لا يعرفوننا أبداً.
ومشكلتهم أيضاً أننا نعرفهم جيداً..
لذلك لا يمكن أن يكون هناك شرق جديد.
هنالك فقط: حق وباطل، وخير وشر، وإيمان وكفر، وملائكة وشياطين..
ولنا الحق كل الحق أن نكون من أصحاب اليمين، لكن ليس يمينهم القاتل المستبد.
































