المقالات

العدد 1919 - 12/8/2006

الحرب الإسرائيلية على لبنان:
د. بطرس غالي الأمين العام السابق للأمم المتحدة لـ «اليمامة»

سباق بين الموت والدبلوماسية

بشكل أو بآخر يتوقع أن يشهد هذا الأسبوع وقفاً لإطلاق النار في لبنان، فالقتل الجماعي للمدنيين اللبنانيين وتدمير مقومات الحياة في لبنان قد بلغ مداه الأسبوع الماضي في سلسلة لا تنقطع من المجازر المهولة التي ارتكبها الطيران الإسرائيلي وأرتال المدرعات الإسرائيلية في لبنان، مع تقطيع أوصال البلد وعزل مدنه وقراه عن بعضها بعضًا بشكل ضاعف معاناة السكان وعذابهم. وعلى الطرف الآخر من الخط الأزرق اضطرت إسرائيل لأول مرة في تاريخها لإخلاء عشرات الآلاف من سكان مستعمراتها الشمالية بعد أن ظلوا شهرًا كاملاً تحت جحيم صواريخ حزب الله أرض - أرض التي نجحت في إثارة الرعب وإيقاف الحياة الاقتصادية في كل شمال إسرائيل، وارتفعت حصيلة القتلى في صفوف الجيش الإسرائيلي إلى أكثر من 100قتيل وعشرات الجرحى.

اليمامة - خاص:

ضراوة القتال والخسائر العالية والمخاوف من كارثة إنسانية وكارثة سياسية في منطقة الشرق الأوسط كلها، أجبرت المجتمع الدولي على التحرك، لكن صيغة مشروع القرار الفرنسي - الأمريكي التي اقتُرِحت كانت سيئة وخطيرة لدرجة أنها ولدت قوة دفع مضادة انطلقت من لبنان نفسه والذي تسامى على جراحه وخرج بموقف سياسي موحد يوضح المخاطر الجسيمة لأي قرار دولي يتجاهل الاحتلال الإسرائيلي الجديد للبنان، وعزز اللبنانيون موقفهم الوطني بإجماع لم يتحقق من قبل على إرسال 15ألف جندي لبناني فوراً إلى جنوب لبنان.
هذا القرار اللبناني التاريخي شكل عنصراً جديداً لا يمكن تجاهله لكونه يشكل استجابة لأهم بنود قرار مجلس الأمن 1559، كما أن القرار منح وفد الترويكا العربية الذي أوفد اجتماع وزراء الخارجية العرب في بيروت إلى الأمم المتحدة ورقة عملية لإبطال حجة إسرائيل الرامية لإبقاء جيشها على عمق 20كلم في الأراضي اللبنانية وتحت حراسة قوات دولية تحارب (حزب الله) نيابة عنه.
ورقة الجيش اللبناني التي لعبتها حكومة السنيورة بذكاء كانت قوية لدرجة أن الحكومة الإسرائيلية نفسها لم تتمكن من تجاهلها؛ فقد اعتبرها إيهود أولمرت رئيس الوزراء بأنها «خطوة جديرة بالاهتمام» ووجه بدراستها، لكن صقور الائتلاف الحاكم وجنرالات المؤسسة العسكرية أمثال حائيم رامون وزير العدل والجنرال موشيه كابلينسكي الذي فوضه رئيس الأركان الإسرائيلي دان حالوتس بإدارة الحرب في لبنان اعتبروا قرار نشر الجيش اللبناني «مناورة» ودعوا لتوسيع الهجوم الإسرائيلي البري لاحتلال كامل الجنوب اللبناني حتى نهر الليطاني حتى لو أدى ذلك لتدمير كل القرى اللبنانية جنوب هذا الخط لإنهاء مقاومة «حزب الله» وهو الموقف الذي تبناه مجلس الوزراء المصغر ودفع بـ 30ألف جندي إضافي الى جنوب لبنان منذ مساء الأربعاء الماضي.
المراقبون يعتقدون بأن مستقبل العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان مرهون بالموقف الأمريكي من المفاوضات المحمومة في مجلس الأمن للتوصل لصيغة مشروع قرار تأخذ في الحسبان التحفظات التي أبداها لبنان والوفد العربي للأمم المتحدة. ويرى المحللون أن المشكلة مع الإدارة الأمريكية فيما يتعلق بجهود وقف إطلاق النار تكمن في أن واشنطن تنظر لما يجري في لبنان في إطار صراعها مع إيران على وجه الخصوص، وهي لا زالت تأمل في أن تنتهي الحرب بخروج «حزب الله» نهائياً من معادلة ميزان القوة، لكن إدارة بوش لم تعد قادرة سياسياً أو أخلاقياً على تجاهل المجازر الدموية التي ترتكبها إسرائيل في لبنان والدمار الهائل للبنيات الأساسية اللبنانية والمأساة الإنسانية التي تتفاقم كل يوم. وعلى الرغم من أن الأمريكيين منحوا الإسرائيليين وقتاً كافياً «لإنجاز المهمة» إلا أن فشل الجيش الإسرائيلي في تحقيق انتصار عسكري حاسم في الميدان (حزب الله) يضع الأمريكيين في مواجهة ضغط دولي متزايد يجعل من الصعب عليهم تمديد الوقت الإضافي الذي منحوه لإسرائيل إلى ما لا نهاية.
في كل الأحوال يُتوقع أن يكون الأسبوع الجاري حاسماً فإما أن يتبلور قرار دولي لوقف إطلاق النار يتضمن انسحاباً إسرائيلياً من الأراضي التي احتلتها وانتشار الجيش اللبناني حتى الخط الأزرق مدعوماً بقوة دولية قادرة على التأكد من خلو كامل الجنوب اللبناني من أي سلاح غير سلاح الجيش اللبناني، أو أن تنهار الجهود الدبلوماسية لتواجه دول المنطقة حرباً طويلة في لبنان مع كل ما تنطوي عليه من تداعيات على المسرح السياسي اللبناني ومخاطر توسع الحرب بجر أطراف إقليمية أخرى إلى الصراع.

الغطرسة الأمريكية لا تؤمن بالأمم المتحدة ولا بالقانون الدولي

توقع السكرتير العام السابق للأمم المتحدة د. بطرس غالى أن تُهزم إسرائيل عسكرياً أمام حزب الله مستشهداً بأنها لم تستطع أن تهزمه خلال 22 عاماً الماضية، فكيف تهزمه في أسابيع. وقال غالى: إن إسرائيل لن تستطع بإجماع الخبراء العسكريين -حتى اليهود منهم - أن تحقق نصراً على حزب الله، رغم أن هذا الهجوم العسكري على لبنان كان مخططاً له من قبل. واعتبر غالي مجزرة قانا جريمة حرب يجب أن يتم التحقيق فيها من قبل لجنة محايدة.

القاهرة- علياء دربك

في البداية سألناه: لماذا ترى أن الحرب على لبنان كان مخططاً لها من قبل؟
- قال: لأن أي هجوم بالطائرات لابد من تحضير مسبق له ولابد من تحضير مخابراتي كبير «تجسس» لجمع المعلومات حول أماكن المعدات العسكرية والتجمعات العسكرية وقواعد الصواريخ والقواعد العسكرية بصفة عامة؛ لهذا فإن الواضح تماماً أن إسرائيل قامت بالتنسيق مع الولايات المتحدة للتخطيط لهذه الحرب، حتى يمكن أن تحقق أمريكا حلمها بالسيطرة على العالم، ومن هنا فإنها تحتضن إسرائيل وتساعدها على فرض سياسة الغطرسة في المنطقة التي تستهدف السيطرة عليها في المقام الأول من خلال القضاء على حزب الله، ثم الوصول إلى سوريا والسيطرة على مياه نهر الليطاني وهو أحد أهداف إسرائيل أيضاً.

قــانــــــا:
مذبحة قانا الأولى حدثت وقت توليكم الأمانة العامة للأمم المتحدة.. فماذا أتخذتم من إجراءات، وكيف ترى المذبحة الثانية؟
- لقد تعرضت حينها لضغوط هائلة لمنع صدور قرار إدانة إسرائيل ولو كنت أميناً للأمم المتحدة حالياً لأتخذت الموقف نفسه الذي اتخذته في مذبحة قانا الأولى رغم الضغوط والتهديدات التي لم أستجب لها وأدنت العملية.
ويجب إرسال بعثة عسكرية فوراً لدراسة الموقف لتثبت أن العدوان كان متعمداً من إسرائيل، ولكن في الغالب اللجنة هنا ستكون إسرائيلية وهو نفس الاقتراح الذي رفضته في قانا الأولى، لهذا يجب الانتباه إلى حيادية لجان التحقيق وإن كنت أشك في هذه الحيادية في ظل الأوضاع الحالية.
لم يعد دور الأمم المتحدة فاعلاً أو مؤثراً، فكيف يمكن إصلاحها؟
- العالم تسيطر عليه الآن دولة واحدة ولا وجود للتعددية، ولذلك لا أجد بريق أمل في إصلاح الأمم المتحدة في ظل هذه الهيمنة والغطرسة الأمريكية التي لا تؤمن بالأمم المتحدة ولا بالقانون الدولي.
لا حل إلا بالتفاوض
أشرتم إلى أن الهدف من الحرب هو القضاء على حزب الله ثم التوجه إلى سوريا.. كيف يمكن وقف هذا التوجه وحماية سوريا؟
- لا حل إلا في التفاوض السلمي العادل، لأن المواجهة العسكرية تعد كارثة يحتاج الحل بعدها لعدة سنوات بغية مجرد الوصول إلى سلسلة اتفاقات دولية وجهود دبلوماسية لوقف المواجهة والتهدئة أولاً ثم المفاوضات التي قد تستغرق وقتاً أطول لأن المواجهة العسكرية ستكون قد خلفت مجموعة مشاكل وعقد جديدة تستوجب التفاوض عليها.
كيف ترى مستقبل السلام في المنطقة في ظل هذه التطورات؟
- السلام أصبح عملية مؤجلة الآن، بسبب الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان و تسببت في انهيار كل التفاهمات والاتفاقيات التي سبق التفاوض بشأنها منذ أعوام، وأعتقد أن السلام لن يشهده هذا الجيل، ولكن يحتاج إلى جيل جديد ليتواصل الحوار مرة أخرى.
وما انعكاس ما يحدث في لبنان على الأوضاع في الأراضي الفلسطينية؟
- سوف تزداد الأوضاع صعوبة، فالمتطرفون في الجانب الإسرائيلي سوف يزدادون تطرفاً ضد العرب في فلسطين.
وفي المقابل سوف يزداد الشعور بالمهانة والظلم عند الجانب العربي الذي سوف يحاول أن يثأر لكرامته ولأبناء عروبته فالتيار المتشدد في الجانبين سوف يزداد تشدداً ومن هنا سوف تزداد الأوضاع سوءًا ولا أمل في حل سلمي في السنوات القليلة المقبلة.