المقالات

العدد 1919 - 12/8/2006

التوسع في رؤية المخطوبة.. هل يقود إلى الحرام؟

حثّ الإسلام على الزواج ورغّب فيه وشرع من الأحكام ما يكفل استقراره واستمرار الحياة بين الزوجين هانئة هادئة مطمئنة (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة). ومن الأمور التي تعين على استمرار الحياة بين الزوجين رؤية الخاطب للمخطوبة ورؤيتها أيضاً له، فلذلك أثر في استقرار الحياة الزوجية ودوام المحبة بين الزوجين؛ ولذلك طالب به المصطفى صلى الله عليه وسلم وقال للصحابي لما أخبره أنه أراد خطبة امرأة من الأنصار: انظر إليها ولكن البعض تجاوز هذا الحد المشروع، بل المطلوب شرعاً وتوسع في هذا الباب بحجة زيادة تعرف أحد الزوجين على الآخر فوصل الأمر إلى الخلوة المحرمة وربما جرّت تلك الخلوة مصائب ومآسي تدمي القلوب.

الرياض د. عقيل العقيل

فحول رؤية المخطوبة والضوابط الشرعية لذلك تحدث لليمامة فضيلة الشيخ د. عبدالسلام بن محمد الشويعر الأستاذ المشارك بكلية الملك فهد الأمنية قسم الدراسات الإسلامية فقال: الأصل في الشريعة أنه لا يجوز للرجل أن ينظر إلى امرأة أجنبية عنه كما قال الله تعالى: (قُل لّلْمُؤمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِك أزْكَى لَهُمْ إنَّ اللّهَ خَبيرُ بِما يَصنَعُون).
وإنما يجوز النظر للزوجة والمرأة التي هي من محارم الشخص، وفي ذلك الأثر العظيم على الشخص وعلى أسرته ما يطول الحديث فيه ويتشعب.
ومن عِظم هذا الدين أنه جعل هناك استثناءات من هذا العموم وصوراً تخرج من هذا الأصل فيجوز فيها النظر للمرأة الأجنبية.. وهي حالات متعددة يجمع بينها الحاجة والمصلحة.
ومن ذلك أنه يجوز للرجل النظر للمرأة إذا أراد خطبتها، بل فعل ذلك هو السنة المأمور بها، وهو الأفضل في حقِّ المُقدِم على الزواج، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عدداً من الصحابة بذلك كجابر والمغيرة بن شعبة وأبي هريرة وغيرهم رضي الله عن الجميع. ففي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنتُ عند النبي صلى الله عليه، فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم (أنظرت إليها؟)، قال: لا. قال: (فاذهب فانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً).
وعن المقصود بالنظر للمخطوبة والعلة في جوازه قال الشويعر هو معرفة الشكل الخارجي للمرأة لأنها تكون في الأصل مخدَّرةً - أي في الخِدْر لا تُرى - ومحتشمة، وهذا ما يدلُّ عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (فإن في أعين الأنصار شيئاً)، فإن هذه الجملة تحتمل معنيين؛ أحدهما: أن في أعين بعض نساء الأنصار شيئاً من العيب كالصغر ونحوه فانتبه له. ويحتمل أن في أعين رجال الأنصار شيئاً فلا تعجبهم كلُ امرأة - لأن جابراً أنصاريٌّ -
وأضاف لا شكّ أنه ليس المقصود من الرؤية معرفة الطباع والأخلاق لأن ذلك لا يمكن معرفته في أشهر ناهيك أن يعُرَف بلحظات قليلة.
عن الرؤية وأثرها في التوفيق بين الزوج قال الشويعر إن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن رؤية الشخص لمن يرغب نكاحها سببُ في التوفيق في الزواج بعد ذلك بأمر الله وتوفيقه فقد روى البيهقي عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: خطبتُ امرأة فذكرتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فقال لي: هل نظرت إليها؟ قلت: لا. قال: فانظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما، فأتيتها وعندها أبواها وهي في خدرها. قال: فقلتُ: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أنظر إليها، قال: فرفعت الجارية جانب الخدر، فقالت: احرِّجُ عليك إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرك أن تنظر إليَّ لما نظرت، وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمرك أن تنظر إليّ فلا تنظر. قال: فنظرتُ إليها،، ثم تزوجتها. قال: فما وقعت عندي امرأة بمنزلتها.
ومن الأمور التي يجب مراعاتها للمخطوبة أوضح الدكتور عبدالسلام الشويعر أنه لا بُدَّ من مراعاة أمرين أحدهما: من الذي يَرى؟ والثاني: ما الذي يُرى؟
أما الأمر الأول: وهو من الذي يرى. فهو الرجل الذي يريد الإقدام على الزواج من امرأة بعينها. أمّا من يتلصص على النساء ويطلق لنظره العنان في مجامعهن بحجة البحث عن زوجة. فليس هذا هو المرخص فيه، وإنما المرخَّص إذا أراد خطبة امرأة بعينها.
والأمر الثاني: ما الذي يُرى فقد قال الفقهاء: إن للخاطب أن ينظر مِن المرأة إلى ما يرغّبه بنكاحها، مما يظهر عادةً بين النساء من اللباس.
وعلى ذلك فإنه يحرم للخاطب أن يخلو بالمخطوبة بحجة النظر إليها، ولا الخروج معها للحجة نفسها.
كما لا يجوز للمرأة أن تبدي من زينتها شيئاً زائداً عن القدر المحدد شرعاً وهو ما تظهر المرأة للنساء عادةً.
وعن منع بعض أولياء الأمور الخاطب من رؤية مخطوبته قال أوصى الآباء والأولياء بأن يتقوا الله في مولياتهم وألاّ يمنعوا شيئاً جاء الشرع بجوازه. وفي المقابل لا يتساهلوا في خلوة الخطاب بمخطوبته وخروجها معه.
كما أوصى الأزواج والخطّاب بأن يتقوا الله تعالى وألاّ يقدموا على النظر لامرأة إلا وقد عزموا على الزواج، وألاّ يكون قصدهم النظر فحسب.
ثم تحدث الشيخ د. محمد بن عبدالعزيز المبارك عضو هيئة التدريس بقسم الفقه بكلية الشريعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية فقال:
إن نظر الخاطب إلى مخطوبته سنة حث عليها الشارع الحكيم، كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لما فيه من تحقيق اطمئنان الرجل إلى زوجة المستقبل وراحته إليها، فيكمل الاختيار الموفق الذي تدوم به الحياة الزوجية، إلا أنه مع تقرر مشروعية رؤية المخطوبة في الإسلام يلحظ على بعض الناس وقوعهم في طائفة من الأخطاء والمخالفات أثناء الرؤية التي لا يقرها الشرع، وعن الأخطاء التي قد يقعون فيها قال الشيخ المبارك: إن منها التوسع في رؤية المخطوبة كأن يطلب الخاطب رؤيتها أكثر من مرة من غير حاجة داعية إلى ذلك، أو أن يكلمها في الهاتف عدة مرات قبل العقد، أو مبادلتها الرسائل والأشعار، وهذا كله خطأ وخروج عن مقصود الشرع الحكيم؛ فالمرخص للخاطب أن يرى مخطوبته مرة واحدة بحضور وليها، ويرى منها ما يرغّبه في الزواج منها، كوجهها وكفيها مما جرت العادة بكشفه بين محارمها فلا يجوز التوسع في ذلك لأنها محرمة عليه ما لم يعقد عليها، وإنما رخّص النظر إليها بقدر الحاجة.
وكذلك التوسع في رؤية جسد المخطوبة، فإن ظواهر النصوص تدل على جواز رؤية ما يصدق عليه أنه رؤية معتادة، وهو الظاهر عادة، فيبقى ما عداه على التحريم الأصلي، وعليه فنظر الخاطب إلى مخطوبته يجري عليه ما يجري على نظر المحرم إلى محارمه من جواز رؤية الوجه والكفين والقدمين والرأس والرقبة والساعدين وغير ذلك مما يجوز للمحرم رؤيته.
وقال أن التعطر من قبل المخطوبة أثناء الرؤية، لا يوجوز لها حال رؤية الخاطب لها؛ فإن الشارع إنما أذن بالرؤية ولم يأذن بالتعطر، فيبقى التعطر محرماً على الأصل مع الأجانب؛ لما جاء من حديث أبى موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيما امرأة استعطرت فمرّت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية».
مشيراً إلى أن حضور بعض النساء الأجنبيات عن الخاطب وهن كاشفات مجلس الرؤية كأم الزوجة وأخواتها، لا يجوز لهن ذلك حتى ولو كان بحجة التعرف على الخاطب وصفاته وأخلاقه؛ لأنهن أجنبيات عنه.
كما حذّر من تبادل الصور بين الخاطب ومخطوبته، وقال إن ذلك لا يجوز؛ لأنهما ما يزالان أجنبيين حتى يتم عقد النكاح، وأضاف مصافحة المخطوبة أو مس يدها أثناء تقديم بعض الشراب أو الطعام، لأن المرخص فيه مجرد الرؤية، وما زاد على ذلك فهو على الأصل في المنع والتحريم، والأصل أن المصافحة لا تجوز للرجال الأجانب، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حين بيعته للنساء: إني لا أصافح النساء، وثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (والله ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط، ما كان يبايعهن إلا بالكلام).
وقال إن محادثة الخاطب لمخطوبته بكلام خارج عن المألوف واستمتاعه بالحديث معها وتعبيره لها بالجمل العاطفية لا يجوز حتى مع وجود محرم لها، فإنّ الرجل لا يجوزر له الاستمتاع بامرأة أجنبية عنه لا بكلام ولا باجتماع ولا بلقاء ولا بنظرة ولا بخلوة، كما أنّ المرأة لا يجوز لها الحديث مع الرجال الأجانب بلين الكلام وخضوع القول وإمالته؛ لئلا تحصل الفتنة، قال تعالى: (فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفا)، فلا تكلم المرأة رجلاً أجنبياً إلا لحاجة وبكلام معروف لا فتنة فيه ولا ريبة.