بعد مرور عام على أزمة الرسوم المسيئة، كيف هو وضع الجالية المسلمة في الدنمارك؟
- نستطيع القول: إن الأمور قد رجعت إلى نصابها الطبيعي، فلم يعد هناك حديث يومي حول الأزمة، واستأنف المسلمون حياتهم الطبيعية، ولم تعد القضية التي تشغل بال الدنماركببن في حياتهم اليومية.
وعلى صعيد المستوى الشعبي، هل تغيرت العلاقة بين الدنماركي ومواطنه المسلم؟
- حقيقة أصبحت العلاقة بينهما متوترة بصفة عامة وإن لم تصل إلى حد الملاحقة اليومية، فأنا مثلاً لم أشعر من خلال عملي بذلك، لكن في الشارع الدنماركي لا يخلو الأمر من توتر في العلاقة.
بيد أن الأزمة كذلك أفرزت عدداً من النقاط الإيجابية، من مثل أن المواطن الدنماركي غير المسلم أصبح يهتم كثيراً بالإسلام، حتى على مستوى اقتناء الهدايا أظهرت إلاحصائيات أن القرآن كان الهدية الأكثر إقبالا على شرائها، وأصبح الحصول على نسخة من القرآن بالحجز. هذا إن دل على شئ فإنما على زيادة اهتمام الدنماركيين بالإسلام وبالتعرف عليه.
كذلك دفعت الأزمة بعجلة الحوار وبناء الجسور مع المسلمين هنا، كما أن الجمعيات الإسلامية أصبحت أكثر نشاطاً في توضيح الصورة الحقيقة للإسلام، والعمل على تحسين النظرة للمسلم،ولاسيما في وسائل الإعلام.
النزعة القومية أضعفت العمل الإسلامي
كشفت الأزمة عن وجود مواقع خلل في آلية العمل الإسلامي الدنماركي، على سبيل الذكر: انعدام وجود موقف موحد من القضايا التي تمسهم كجالية مسلمة. وظهر جلياً اختلاف الآراء وتشعب الأصوات في ظل غياب مرجعية مؤسساتية إسلامية مشتركة، فما هي العوامل المسببة لذلك؟
- نعم صحيح ونعترف بذلك، فالاختلافات كانت المسيطر والحاكم على طبيعة العمل الإسلامي والمؤسساتي، وهذا ليس بالجديد، ونقر به، لكن الأزمة كشفت عن هذا الخلل، وكانت سبباً في بدء التفكير بالكيفية التي تمكننا من التوحد للتعامل مع هذه القضية، وكان عدم وجود كتلة موحدة تضم جميع المسلمين بسبب غلبة القومية منها إلى الدين، فالمسلمون هنا مشدودون أكثر إلى الأعراق والإثنيات التي ينحدرون منها، فالأتراك مثلا مسلمون ويمارسون شعائر الدين كسائر إخوانهم من الجنسيات الأخرى، لكن الولاء لبلدهم في المقام الأول، وهذا ينطبق على الفلسطيني والصومالي وغيرهم من الجنسيات الإسلامية هنا. وهذا الولاء أخذ منحنى تطور إلى صراع بين الجاليات، التي قدمت من بلدانها حاملة إرثها الثقافي ونمطها الفكري إلى جانب حقائب سفرها. وقد كان هذا السبب الأهم، على الأقل للتفرقة بين صفوف الجيل الأول من المهاجرين المسلمين، الذين لم يستطيعوا الارتقاء إلى التعامل بطريقة ديمقراطية بعضهم مع بعض، وفشلوا في الالتقاء حول المسائل المشتركة والمتعلقة بوضعهم كأقلية مسلمة.
من جهة أخرى، تاريخ العمل الإسلامي في الدنمارك حديث العهد مقارنة بتاريخه في مناطق أخرى من أوروبا كالمملكة المتحدة (بريطانيا) وفرنسا، بمعنى أننا لا نملك مؤسسات إسلامية قوية وفاعلة قادرة على استقطاب الجميع للالتفاف حولها على اختلاف أطيافهم وتوجهاتهم.
هل نستنتج من حديثك أن الأزمة كانت سبباً في توحد مسلمي الدنمارك؟
- نعم، فمن إيجابيات الأزمة أنها جمعت القيادات المسلمة على طاولة واحدة، وأضرب لك مثلاً هنا في «أورهوس» على الأقل تمكنا بعد الأزمة من تأسيس اتحاد يجمع إحدى عشرة جمعية إسلامية تحت مظلة واحدة، وهو أمر بدا صعب تحقيقه فيما مضى، وهذا دليل على أن المسلمين قد فطنوا إلى شئ مهم جداً، وهو ضرورة التنازل عن شئ من الولاء القومي لصالح الولاء الديني، كي نلتقي ونتعاون فيما بيننا من أجل خير الإسلام.بعد أن كانت كل جمعية أو رجل دين يعمل بمفرده وبسياسة خاصة تسيء في كثير من الأحيان إلى وضعية المسلمين، أو تعرقل من تطور العمل الإسلامي وازدهاره.
الأزمة أفادت
عقب أسابيع معدودة من وقوع الأزمة، تمكن مسلمو الدنمارك وللمرة الأولى من إنشاء مقبرة خاصة بهم، فكيف تقرأ ذلك وبخاصة أن وزراء وممثلين عن الحكومة الدنماركية شاركوا في تدشين المقبرة؟
- أعتقد أن إنشاء هذه المقبرة بعد فترة قصيرة من الأزمة يدل على توافق جهود الأقلية الإسلامية، التي أصبحت تتحرك أكثر وتسعى للمطالبة بحقوقها، وتركز نشاطها كطرف رئيسي في النقاش الدائر حول الإسلام وطبيعته وأوضاعهم كجالية.
في نفس الوقت، بدأ صناع القرار والشخصيات الفاعلة في الحكومة الدنماركية بالاهتمام بمواطنيهم من المسلمين، وانتبهوا إلى الصعوبات والعوائق التي تعيشها الجالية بوصفها أقلية مسلمة، وأصبح هناك تركيز على ماتعانيه الجالية من تمييز وعنصرية، كأن يتم رفض تعيين شخص في وظيفة ما بسبب أن اسمه محمد أو أحمد.
واكتشفوا بعد الأزمة وثورة المسلمين العالمية، أن المجتمع الدنماركي الذي يعتز برقيه وانفتاحه على الآخر وتقبله للتعددات الثقافية والدينية، في حقيقة الأمر منغلق بشأن الآخر المسلم، هذا الأخير الذي لا يملك مسجداً أو مقبرة، ويعيش حياة مواطن دنماركي منقوص الحقوق، وهو ماجعل الحكومة أكثر ليونة وتعاوناً مع الجالية المسلمة، وأسفر عن امتلاك المسلمين مقبرة خاصة بهم كدليل على وجود تحركات رسمية تحاول أن تعطي الجالية حقها .
في ظل الوضع الهش - إذا سمحت لي بهذا الوصف الذي كانت تعيشه الجالية المسلمة في الدنمارك حتى ما قبل الأزمة، كيف أثر ذلك على الجيل الثاني من أبناء المهاجرين ؟
- هشاشة وضع المسلمين هذه على عدة مستويات، هشاشتهم كجالية غير موحدة، وهشاشة اجتماعية، وهشاشة اقتصادية، إذ يعيش الكثيرون منهم دون عمل ثابت، وانعكس ذلك على الجيل الثاني، فبصراحة الجيل الثاني في حالة ضياع وصراع هوية، إلا من رحم ربك، فمن ناحية لم يجد من يحتضنه من القيادات الإسلامية، ولم يجد مؤسسات تعمل على تثبيت الهوية الإسلامية بداخله، في الوقت الذي يعيش ضغط القيم والتقاليد الإسكندنافيه. ومن واقع عملي الحكومي أرى دائماً نماذج من الجيل الثاني الضائع. والفاقد لأمور جمه، أبسطها تعلم اللغة العربية الأم، حيث لا يوجد سوى مدرسة واحدة صغيرة ولا تتسع لأكثر من مئتي طالب .
مسلمون مُهملون:
هل تحملون العالم الإسلامي وزراً في إطار الحالة التي تعيشونها كأقلية مسلمة ومايترتب على ذلك من نقص وتقصير في الحفاظ على هويتكم الدينية ؟
- بصراحة العالم الإسلامي في واد ونحن في واد آخر، لم يساهم العالم الإسلامي في شئ يذكر، ولندع الدول ونتناول - في الأقل - المؤسسات الإسلامية اللاحكومية، أنا شخصياً كناشط إسلامي في هذا البلد، لم أشاهد بصمات هذه المؤسسات على الجالية المسلمة، أي أن هناك شبه إهمال من قبل المسلمين في رعاية إخوانهم في الدنمارك مع الأسف. أما بعد الأزمة فيمكن القول: إن شعوراً بالذنب قد أنتاب العالم الإسلامي، الذي اكتشف أن هناك جالية مسلمة تعيش في الدنمارك، وهي جالية ضعيفة ومهملة وتعاني من معضلات كثيرة.
ورغم ذلك عندما تدفقت الوفود الإسلامية على الدنمارك، لم يتغير شي فقد جاءوا وطمأنونا بكلمتين ورجعوا مثلما جاءوا.
وماهو حال المسلمين الجدد من الدنماركين وسط هذه الأجواء؟
- لاحظنا أن هناك تزايداً في أعداد الدنماركين ممن يعتنقون الإسلام، ويمكن القول: إنهم من جانب ما يعيشون وضعاً أفضل من وضعنا، فهي بلادهم أولاً، ويحتفظون بتوازن نفسي وثبات على الهوية مقارنة بأبناء المسلمين، لكنهم في نفس الوقت أصبحوا مهمشين، من عائلاتهم والمجتمع وحتى الجالية المسلمة، والتي يبدر عن بعض أفرادها سلوكيات ليست مشرفة بحق الدنماركي المسلم، حيث ينظر المسلم إلى مواطنه الدنماركي حديث الإسلام على أساس أنه مسلم من الدرجة الثانية وليس أصلياً إن جاز التعبير.
كما أن التوترفي العلاقة بين المواطن المسلم وغير المسلم كحالة عامة في المجتمع الأوربي، تنتج أخطاء ربما غير مقصودة، مثلاً أن يشكّ أحد المسلمين في نوايا أوروبي أسلم حديثاً، لدرجة الشعور بأنه ربما لم يسلم حقاً وإنما يعمل لصالح المخابرات.

































