رأفت الهجان دعاء الكروان
الممثل المبدع محمود عبد العزيز، تألق منذ بداياته في تجسيد الأدوار الصعبة حين اكتشفه المخرج نور الدمرداش وقدمه في أول عمل على الشاشة الصغيرة «الدوامة» فلفت الأنظار إليه ثم انهالت عليه الأعمال، وبدأت رحلته مع البطولة منذ عام 1975 عندما قام ببطولة فيلم «حتى آخر العمر»، ثم تألق في أفلام: «العار» و«العذراء والشعر الأبيض» و«إعدام ميت» و«البريء» و«جري الوحوش» و«الجوع» وكلها أعمال حظيت بنجاح جماهيري وشاد بها النقاد.
إلا أن النجاح الأسطوري الذي حققه محمود عبد العزيز في المسلسل الشهير «رأفت الهجان» لم يتكرر في الأعمال التي تلته وشعر أنه قام بأهم دور في حياته الفنية، وظل محمود يدقق في الأعمال التي تعرض عليه لعله يجد عملاً يساوي أو يفوق النجاح الكبير لرأفت الهجان عميل المخابرات المصرية الذي انسد في المجتمع الاسرائيلي.
ولم يستطع محمود عبد العزيز تجاوز نجاح الهجان الأسطوري رغم أنه قدم عدة أعمال بعده مثل «محمود المصري» و«الكيت كات» و«الساحر» و«سوق المتعة» إلا أنها لم ترق إلى مستوى نجاح وتألق رأفت الهجان.
ومن بين أبطال المسلسل الذين شكل «رأفت الهجان» حاجزاً بالنسبة اليهم لم يستطيعوا تجاوزه ووقفوا عنده، الممثلة إيمان الطوخي التي أبدعت وتألقت في دور «إيستر بولنسكي» إلا أن نجاحها في الدور وضعها في مأزق وتراجعت عن بطولة العديد من المسلسلات التلفزيونية بعدها وبدون إبداء أسباب.
صابرين.. صريحة بعد أم كلثوم
أما الممثلة صابرين فقد كانت صريحة وواضحة مع نفسها وجمهورها حين رأت أن النجاح الكبير الذي حققته في مسلسل «أم كلثوم» لن تحققه ثانية ووجدت أنها وصلت إلى ذروة النجاح وقمة التألق الفني فاعتزلت وتحجبت، ثم عادت مؤخراً الى الساحة لتقدم برامج دينية.
وكانت صابرين قدمت أدواراً مهمة في مشوارها الفني الذي يمتد 25 سنة في مسلسلات «ليلة القبض على فاطمة» و«ليالي الحلمية» و«هالة والدراويش» وفي أفلام مثل «سواق الهانم» و«حارة الجوهري».
نور الشريف لم يتجاوز (الحاج متولي)
قدم نور الشريف مسلسلاً نال نجاحاً جماهيرياً كبيراً وعرض على أكثر من 30 قناة تلفزيونية وآثار جدلاً واسعاً إنه مسلسل «عائلة الحاج متولي» ورغم هذا النجاح فإن نور لم يتوقف عند هذا المسلسل مكتفياً بهذا الدور أو متريثاً في البحث عن أدوار أكبر، بل واصل مسيرته الفنية وحقق نجاحاً في آخر أعماله «حضرة المتهم أبي»، ورغم نشاط نور الشريف الملحوظ إلا أنه لم يستطع تخطي حاجز دور تاجر الأثواب الذي قدمه في مسلسل «عائلة الحاج متولي»، ولم يفلح في الخروج من عباءة هذا المسلسل.
ويشترك صلاح السعدني مع نور الشريف في هذه الخاصية، حيث إنه لم يستطع أن يقفز خارج نطاق دور العمدة سليمان الذي جسده في مسلسل «ليالي الحلمية» حتى أنه لقب بـ«العمدة» وما زال هذا اللقب يطلق عليه كما لا يزال الدور يحاصره رغم أنه قدم مسلسلات ناجحة مثل «ارابيسك» و«رجل من زمن العولمة».
أما الممثل المميز يحيى الفخراني فقد استطاع أن يتجاوز نجاحه في مسلسل «ليالي الحلمية» وقدم أدواراً كبيرة ومهمة في «زيزينيا» و«أوبرا عايدة» و«نصف ربيع الآخر» و«للعدالة وجوه كثيرة» و«عباس الأبيض في اليوم الأسود» وأخيراً «سكة الهلالي».
(زوزو) بدل السندريلا
ولم تستطع النجمة الراحلة سعاد حسني أن تتجاوز دورها في فيلم «خلي بالك من زوزو» وظلت تتذكر هذا الدور أكثر من أي دور آخر حتى آخر يوم من حياتها، فقد تربعت على قلوب المشاهدين من خلاله كما تربعت على قمة نجمات الشاشة العربية، وكان أداؤها غير مسبوق بين نجمات الشاشة فاستحقت لقب الفنانة الشاملة، حيث أنها مثلت وغنت ورقصت، ورغم تألقها في 83فيلماً وهي حصيلة مشوارها الفني فان فيلم «خلي بالك من زوزو» كان علامة بارزة في هذا المشوار الذي حفل بأعمل مثل «القاهرة 30»، «غروب وشروق»، «الكرنك»، «أهل القمة»، «الاختيار»، «أين عقلي»، «ناديا»، «صغيرة على الحب»، «الجوع».
ويعد فيلم «خلي بالك من زوزو» من أهم أعمال السينما المصرية والعربية اكتسح دور العرض، حيث ظل يعرض لمدة سنة كاملة عام 1972، قدمت فيها عدة استعراضات غنائية من تأليف صلاح جاهين وإخراج حسين الإمام.
وإذا كانت سعاد حسني تعلقت بشخصية «زوزو» التي قدمتها في هذا الفيلم وفضلت أن يناديها المقربون منها بـ «زوزو» بدل السندريلا، فإن هناك فنانين آخرين شكلت أدوارهم الناجحة مآزق حقيقية لهم كالممثل أحمد عبد العزيز الذي أبدع في مسلسل «المال والبنون» وبلغ قمت الجماهيرية والنجومية، وأجمع النقاد على ولادة ممثل من الوزن الثقيل سيغير مجرى الدراما المصرية، إلا أن أحمد وبعد فترة من هذا النجاح اختفى عن الأنظار.
مشوار فني في دور واحد فقط
يزداد المشكل تعقيداً إذا تعلق الأمر ببداية فنية فالانبعاث بعد النجاح والتألق أصعب على الفنان من الانطلاقة الأولية ولعل أصدق مثال على ذلك الممثل حمدي أحمد الذي أدى شخصية محجوب عبد الدايم في «القاهرة 30» للمخرج صلاح أبو سيف، فقد كان أداؤه باهراً ومن فرط نجاح هذا الدور الذي قام به حمدي في بدايته الفنية، أصبح يعتذر عن الحديث اذا سأل عن دوره في الفيلم، بدعوى أن مشواره الفني سوف يتم اختصاره دور واحد فقط.
ومن الأعمال الفنية التي شكلت عقدة لأبطالها دور نفيسة للفنانة الراحلة سناء جميل الذي أدته في فليم «بداية ونهاية» حتى أن البعض كان يناديها نفيسة مما أثار غضبها وأحزنها كثيراً؛ لأنها اعتبرت أن النقاد لا يرون من مشوارها الفني سوى هذه الشخصية، وأن توقف المعجبين أمام هذا الدور يعني أنها لم تتجاوزه، رغم أنها قدمت الكثير من الأعمال المهمة مثل «الزوجة الثانية» و«سواق الهانم» ومسلسل «الراية البيضة» الذي يعد واحد من أنجح المسلسلات حقق معدلات مشاهدة كبيرة في الوطن العربي.
وفي فيلم «الناصر صلاح الدين» حقق القدير أحمد مظهر تماساً قوياً مع الجمهور من الصعب نسيانه رغم أنه قدم 200 فيلم إلا أن هذا العمل حجب إبداع أحمد مظهر في أدوار أخرى، حتى أنه لقب بفارس السينما بسبب هذا الدور.
كما كان لدور عبد الله غيث في الفيلم الأسطورة «الرسالة» إشعاع إنساني قوي حقق له جماهيرية كبيرة، نفس الشيء حدث للممثلة صفية العمري التي أدت «نازك السلحدار» في مسلسل «ليالي الحلمية» الذي بلغت به قمة الجماهيرية والنجومية. أما الراحلة أمينة رزق فقد منحها دورها في الفيلم الشهير «دعاء الكروان» المقتبس من رواية الأديب طه حسين حب وتعاطف الجماهير، فأطلق عليها لقب أم فنانين لإجادتها دور الأم في هذا الفيلم رغم أنها جسدت دور الأم في الكثير من الأفلام مثل «أريد حلا» و«بائعة الخبز» و«التلميذة» إلا أن دورها في «دعاء الكروان كان مميزاً وناجحاً. وعلى مدى أكثر من 30 سنة عاش الممثل السوري دريد لحام في سجن شخصية «غوار الطوشي» الكوميدية التي قدمها في «صح النوم» و«حمام الهنا» و«مقالب غوار» و«عودة غوار» رغم أنه قدم عدة أعمال ناجحة مثل «الحدود» و«أحلام أبو الهنا». ويقول دريد لحام عن إعجاب الناس بشخصية غوار «هذا شيء يتعبني فشخصية غوار الطوشي عالقة في أذهان وذاكرة الجمهور، وأنا حاولت أن أخرج من هذه الشخصية، بينما هم لم يستطيعوا الخروج منها، لذلك يحكمون على أعمالي إذا كان فيها غوار، فإذا لم يكن غوار موجوداً يحكمون سلباً على الفور مهما كان نوع العمل ومهما كانت قيمته الفنية، وهم يطالبونني دوماً بالعودة إلى هذه الشخصية ولكن لأن هذه الشخصية مرتبطة بعمر محدد وهو عمر الشباب من الصعب العودة لعمل في هذه الشخصية».
فنانون تخطوا هذه العقدة
إذا كانت الأعمال الناجحة قد وقفت حاجزاً أمام بعض الفنانين فإن نجوماً آخرين استطاعوا تخطيها والتميز في أعمال أخرى رغم أنهم ظلوا فترة زمنية مترددين ينتابهم الخوف والحيرة من الظهور بمستوى أقل مما سبق وقدموه، فالراحل أحمد زكي استطاع التجدد والانتقال من عمل ناجح إلى آخر من «شفيق ومتولي» و«البيضة والحجر» و«الهروب» و«ضد الحكومة» ليتواصل إبداعه مدققاً في أعماله أكثر فأكثر، فقدم «ناصر 56» و«أيام السادات» و«حليم». وحين قدم عادل إمام المسرحية الناجحة «شاهد ما شفش حاجه» ظن الجميع أنه لن يستطيع تقديم أعمال توازي أو تفوق نجاح هذه المسرحية، لكن عادل اعتمد على طاقته وموهبته الفنية ونجح في تقديم عدة أعمال ناجحة كمسرحية «الواد سيد الشغال» وأفلام مثل «بخيت وعديلة» و«المنسي» و«النوم في العسل» و«السفارة في العمارة». وتشهد إيرادات أفلامه ومنافسته الشديدة لجيل الشباب على قدرته وموهبته الفنية العميقة، فهو ممثل بارع وقارئ عميق للعصر يعلن من خلال أعماله عن بقائه وديمومته الفنية ويخلق بذلك نموذجاً ممتازاً لأقرانه من الفنانين ويمنحهم زخماً كبيراً من الحماس، ويمدهم بعناصر القوة التي تدفعهم إلى المزيد من الإنتاج الفني، والعطاء الإبداعي الذي يلامس شغاف المتلقين.
واقترن اسم الممثل الراحل محمود مرسي بشخصية «سي السيد» الذي قدمه في مسلسل «الثلاثية» المأخوذ من رائعة الأديب العالمي نجيب محفوظ، ورغم أن في رصيده العديد من الأعمال الناجحة على مدى عمر فني تجاوز 42 سنة. كـ«شيء من الخوف» و«السمان والخريف» و«زوجتي والكلب» و«طائر الليل الحزين» ومسلسلي «العائلة» و«بنات أفكاري».
أيضاً الفنانة القديرة ناديا لطفي كانت صاحبة الأدوار الصعبة الممـــــــيزة لكن دورها في الفيلم الناجح «أبي فوق الشجرة»، كان قمة في الإبداع طغى على بقية أدوارها المميزة التي سبقته أو أعقبته فلم تستطع تخطي حاجز هذا النجاح الاستثنائي وكانت لديها القدرة والمـــــــرونة لاستيـــــــــعابه، فلم تظهر يوماً حزنها أو غضبـــــــــــــها مــــــن توقــــــــف الـــــــناس عـــــــند هذا الدور.

































