الشابة العشرينية المثابرة العاشقة لمهنة الصحافة وجدت عملاً كثيراً ما يتم تذكيرها بأن ملايين البنات يحلمن به، وهو مساعدة سكرتيرة في مجلة الأزياء الشهيرة بأمريكا (رانواي).. لم تكن تمارس عمل الصحافي على الإطلاق؛ بل كل ما كانت تقوم به هو تنفيذ أوامر رئيسة التحرير (ميراندا) أو كما كانت تلقب «الأسطورة» هذه الأوامر كانت لا تخرج عن إطار إحضار القهوة للمديرة من محل (ستاربكس) القريب من مبنى المجلة، وشراء قطعة اللحم المسلوقة، وإحضار الأزياء والحقائب من المحال لعرضها في المجلة، وتنفيذ حجوزات الطيران، والتنسيق مع دور الأزياء لإقامة العروض، وجلب القصص المسلية للفتاتين؛ توأم المديرة... وأشياء كثيرة متنوعة ومرهقة كانت تقوم بها.. فيها كل شيء وأي شيء إلا العمل الصحافي الذي كانت تعشقه. كان يتم إيقاظها فجأة من النوم للقيام بمهام تبدو تافهة، مثل استقبال أزياء جديدة، أو إحضار عدد جديد من مجلة الموضة، أو الإتيان بقهوة من محل معين لرئيسة التحرير الدكتاتورة.. كثيراً ما قطع رنين هاتف العمل جلوسها الرومانسي مع خطيبها الشاب المثابر، ودائماً ما تضطر للاستئذان فجأة من جلسة أصدقائها القدامى لأن الهاتف يستدعيها لتنفيذ عمل ما أكثر تفاهة، وقد فوتت مناسبات شخصية لها ولأصدقائها بسبب ارتباطها بحفلة استقبال أو عرض أزياء. حتى في جلستها العاطفية مع أبيها الذي يسكن في مدينة أخرى وطالما انتظرتها، لم تكد تستغرق دقائق إلا وقد فاجأها رنين رئيستها تأمرها بالبحث عن حجز طيران آخر بديل عن الذي ألغي بسبب ظروف الطقس الرديئة.
فكرت كثيراً بالاستقالة من الإنهاك الذي اعتراها، لكنها سرعان ما تتراجع إذا ما تمّ تذكيرها بأن ملايين الفتيات يحلمن بالعمل في مجلة للأزياء هي الأشهر في أمريكا.. فلا تستطيع وأنت تشاهدها تجري في الشارع بالكعب العالي الرفيع أن تسلم من الشعور بآلام في ظهرك، كما لا يمكنك الخلاص من التوتر الذي ينتابك وأنت توقن بعدم ارتياحها في ثيابها الجديدة القصيرة للغاية الضيقة، وربما رمشتَ كثيراً وأنت تحاول أن تمد يدك لترفع غرتها المتدلية بمبالغة على جبينها..
من أجل النجاح في العمل غادرت الشابة مشيتها الهادئة، و بنطلون الجينز الواسع، وبلوزتها الفضفاضة، وحذاءها الرياضي الواطئ ، وشعرها المجعد المبعثر، وضحكتها التي كانت تطلقها بعبث الطفولة التي كانت تعتلي ملامح وجهها قبل أن تملؤه بملايين الأصباغ.. قبل أن تستعير الرموش والأظفار الصناعية وترتدي الأساور والأقراط الثقيلة التي تقيد حركتها..
خطيبها الشاب بدأ يفتقدها ويتوسل إليها أن تعود طفلته الذكية الحبيبة العفوية البيضاء بلا أقنعة كما كانت.. وأصدقاؤها بدوا ينزعجون من إلحاح رنين هاتفها الشخصي وهي بينهم، ويضجرون من رتابة أحاديثها عن الموضة وآخر الماركات، ووالدها بعد لقائه الأخير بها لم يعد يسأل عنها، لقد تفاجأ آخر مرة بأن من أمامه ليست ابنته ذات المبادئ النضالية الواثقة من نفسها..
في أثناء سفرها ولأول مرة إلى باريس مع رئيستها وكبار الشخصيات المهتمة بالموضة لحضور أكبر عرض للأزياء.. اشتكت ذات ليلة لأحد مصممي الأزياء عمّا يعتريها من آلام بسبب خسارتها لعلاقاتها الشخصية.. حينها علّق المصمم.. مبروك.. مبروك هذا يعني أنك ترقيتِ في العمل!! تلك هي الفكرة المركزية التي بدت المحرك المضموني لفيلم «الشيطان يرتدي ماركـــــة بـــــراد»
The Devil Wears Prada.
أسوأ مناخ للتعرف على الآخرين هو لقاؤهم في مناسبات رسمية.. ونادراً ما تنمو صداقة عميقة في الحفلات الباذخة.. وبالتأكيد أنك التقيت ناساً كثيرين أحببتهم بعمق لكنك شعرت بملايين الجدران تفصلك عنهم حين جمعتك بهم مناسبة عالية الرسمية.. في الحفلات والمناسبات التي تخضع لدرجة عالية من البرستيجات والإتيكت تنمو بؤر الأقنعة بشكل رهيب..
تتوق أنفسنا إلى أصدقاء الطفولة كي لا تضيع ذواتنا.. الطفولة هي رمز الفطرة الأولى.. البراءة التي أشد ما نفتقدها حيث كانت الحياة ذات يوم بلا أقنعة..
في الوقت الذي تركب فيه سيارة لا ميزة في اقتنائها سوى أنها باهظة الثمن، وتلبس ثياباً لا ترتاح فيها، وتجلس على مقاعد فخمة تحبس الدم في عروق ساقك حد التنمل، وتروج في أحاديثك سيرة البطولات والمشاريع التي قدمتها أو تنوي تنفيذها، وأنك بالأمس، أو قبل البارحة كنت في لقاء مع فلان العظيم المسئول.. فاعلم أن أجزاء منك تضيع حتى لا تعود مع الوقت تعرف نفسك.. وإذا ما بدأت تخسر تدريجياً عمق علاقاتك الشخصية فابتهج، لأن هذا يعني أنك بدأت تترقى في العمل...
































