المقالات

العدد 1949 - 24/03/2007



القوة الشرائية

تقدم وكلاء ومصنعو الأدوية لمقام خادم الحرمين الشريفين بشكوى ضمنوها اعتراضاً على تأسيس شركة وطنية مساهمة تمتلك الدولة رأسمالها مشاطرة مع المواطنين، مهمتها توفير الأدوية للمستشفيات الحكومية باستيرادها، وخزنها، وتوزيعها (لاحظوا وليس بيعها في السوق). وحجتهم أن ذلك سيكلفهم 700مليون ريال من الخسائر. مدعين أن هذه الشركة ستكون منافساً غير عادل لهم! ويطالبون بأن يكونوا هم المساهمين المؤسسين لهذه الشركة.
ونحن معشر المواطنين الذين طحنتهم أسعار الأدوية، ناهيك عن مشاكل الغش والتحايل في الأدوية المستوردة، نتضرع لخادم الحرمين الشريفين أن يمضي قدماً في ذلك بأسرع وقت، وألا يدخل بعض هؤلاء التجار كمؤسسين لها لا من قريب ولا بعيد، لأننا في نهاية الأمر سنكون مثل من هرب من القوم فطاح في السرية. ففي رأينا أنه على نفسها جنت براقش، وأن الدولة منحت بعض هؤلاء التجار ثقتها الكاملة وجربتهم، وليس من جرب كمن سمع، فلماذا نخرجهم من الباب لندخلهم من الشباك. فالمتلاعب سيستمر في التلاعب سواء كان في السوق لوحده أو في مجلس إدارة شركة مساهمة. ولا أحد يرغب أن تتحول شركة مساهمة مهمة لصحة المواطن لبيشة الدوائية أو أنعام الصحية.
نحن المواطنين يعتصرنا الألم عندما نسافر لبلدان مجاورة فنجد أن أسعار الأدوية لديهم تعادل نصف أسعارها لدينا، ويتملكنا الغضب عندما يناولك الصيدلي دواء أنتج من أكثر من عامين ولم يبق في تاريخ صلاحيته إلا شهر أو شهران، أي أن المورد اشتراه من الشركة المصنعة بعد أن قدمت عليه عرض لقرب انتهاء صلاحيته، أي اشتر واحداً وخذ اثنين مجاناً على أن تعيد تسويقها في بلدك وبعيد عن سوقنا. أو عندما تبحث عن بديل رخيص لدواء معين فيقول لك الصيدلي إن المورد توقف عن توريده لأن سعره منخفض والفائدة وراءه قليلة!
وما المصنعون بأحسن حالاً من المستوردين، والكلام لا يقتصر على الأدوية فقط، فالدولة قدمت لهم جميع وسائل الدعم من ضمان شراء جزء من منتجاتهم، إلى منحهم تسهيلات ومواقع صناعية. وقدمت الدولة لهم الدعم لأنها صدّقت وعودهم الوردية بتوفير دواء ميسر للمواطن، وتوفير وظائف للشباب السعودي، وتوطين تكنولوجيا الأدوية في المملكة. إلا أن هذه الأحلام تبخرت، واتضح فيما بعد أن بعض الشركات تحوّل إلى مؤسسات لانتفاع عدد محدود من التجار وكبار المديرين. اتضح أن بعضها لا تعدو كونها شركات «قرطسة» لمنتجات أجنبية، وشركات توظيف للعمالة الأجنبية في المملكة، ولم تتفوق إلا في الأسعار فقط، فهي تسعّر منتجاتها باليورو وحسب الأسواق الأوروبية لشركاتها الأم، وهي تفوق سعر الأدوية الأخرى المستوردة من الدول ذاتها، ولا نعرف إذا ما كان لشراء الدولة لهذه الأدوية دور في ذلك.
فإنشاء شركة حكومية مساهمة لاستيراد الأدوية لن يضر بهؤلاء التجار من حيث دخولها منافساً لهم فقط، ولكن الأهم من ذلك هو أنه سيكشفهم، ويكشف ممارساتهم، وسيظهر الكلفة الحقيقية لما يستوردونه، وهامش الربح الذي يخرج من جيب المواطن. فالشركة المساهمة ستكون كالمرآة تعكس الصورة الحقيقية للممارسة التجارية العادلة، على العكس مما يرغبه بعض تجار الأدوية، نتمنى أن تنشئ الدولة شركات أخرى مساهمة توفر الحاجات الضرورية الأخرى للمواطن السعودي خاصة تلك التي يتحكم فيها تجار قلائل بشكل احتكاري، ونخص منهم من يسهم برفع الأسعار بشكل غير مبرر. نتمنى إنشاء شركات لاستيراد الأطعمة، ومواد البناء، وسائل النقل، وأدوات التعليم والثقافة وغيرها، فالتصريح لشركات مساهمة في هذه المجالات سيبرز مجالاً للمنافسة السعرية الحقيقية، بل إن الشركات المساهمة من المواطنين قد تحصر وظائفها في السعوديين فقط، وتحد من نسبة البطالة، وتبرهن على أن الموظف السعودي ليس عالة سعرية.
وما دمنا بصدد القوة الشرائية للمواطن فقد سبق وسئل أحد التجار لماذا البضائع الأجنبية، وخاصة الصينية تكون أرخص في بعض الأسواق غير الخليجية المجاورة منها عندنا، برغم وجود ضرائب عليها هناك لا توجد في أسواقنا، فأجاب إنها القوة الشرائية! إننا نعرف أن المواطن سيشتريها حتى ولو رفعنا سعرها! ولعل في هذا تفسير لرفع بعض التجار لأسعار سلعهم بأكثر من عشرين في المئة فور رفع الدولة للرواتب بخمسة عشر في المئة، فمقياس ربحيتهم هو القوة الشرائية، خاصة في ظل تدني أداء وزارة التجارة في مراقبة الأسواق. وهذا الكلام لا ينطبق على التجار الذين يراعون مخافة الله في المواطن، ويعملون بوحي من ضمائرهم رغم مغريات انعدام الرقابة الفعالة وتفشي الطمع والفساد في بعض قطاعات التجارة لدينا. وفي الختام أود أن أضيف بأنه لن تكون لأي جهة رقابية، أو أي هيئة تنظيمية قائمة إذا كنا نشكلها من نفس الوسط الذي هي مطالبة بتنظيمه. فلا يمكن أن تستأمن الذئب على الغنم حتى ولو لبس رداء حمل.