هذه ظاهرة شديدة الغرابة والنشاز في بيئتنا هذه: ظاهرة انتشار السحر والشعوذة والدجل والخرافة والوهم.. صحيح أن قطاعات كبيرة من الناس لا تزال محصنة ضد هذه الأوبئة العقلية والنفسية والروحية.. هذه حقيقة ينبغي أن تقال: عدلاً في الوصف والتقويم والحكم، وتحرزاً من نزوعات القنوط والنظرة السوداء إلى الواقع.. وثمة حقيقة مماثلة ينبغي أن تقال وهي أن ظاهرة السحر والشعوذة والدجل منتشرة بلا شك.
لماذا قلنا: إنها ظاهرة شديدة الغرابة والنشاز في بيئتنا هذه؟
أولاً: لأننا في مجتمع سعودي ترتفع فيه معدلات التعليم عاماً بعد عام: أفقياً ورأسياً، ولم يبق إلا فترة محدودة حتى تحتفل البلاد بـ «نهاية الأمية» فيها.. والمأمول من التعليم: أن يزود الناس بما يبصرهم بقبح تعاطي السحر والشعوذة والدجل.
ثانياً: في العصر الحديث: حظيت هذه البلاد بـ «دعوة إصلاحية» عميقة ونشطة وهي دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله.
ولدعوة الشيخ المصلح عناوين كثيرة: أبرزها وأهمها - بإطلاق - عنوان «التوحيد»: إحياءً وتعليماً ونشراً.. وفي سياق الجهر بإحياء التوحيد، أفرد الشيخ فصولاً ومباحث مطولة: نقض فيها السحر والشعوذة والخرافة والدجل.. وهذا ميراث فكري وثقافي استطاع - بحول الله - أن يطارد هذه المقابح والآفات من هذه البلاد بناء على جهدين مشتركين متكاملين:
1 - الجهد العلمي الدعوي الذي نهض به الشيخ وتلامذته.
2 - جهد الدولة أو السلطة الذي نهض به الإمام محمد بن سعود ومن جاء بعده من حكام آل سعود، ذلك أن لـ (السلطة) دورها الحاسم في حماية المجتمع من «مضادات» عقيدة التوحيد.. مثلاً: كان العرب - في الغالب - على ملة أبيهم إبراهيم عليه السلام وهي الحنيفية ملة التوحيد الخالص. ثم انبعث شقي العرب: عمرو بن لحي فاستورد أصناماً من البلقاء بالشام، ونصبها في الكعبة يعبدها، ولما كان هذا الرجل سيد مكة يومئذ، فقد نصر عبادة الأصنام ونشرها بين العرب بقوة نفوذه وسلطانه.. وتمضي القرون والعرب مطبقون على عبادة الأصنام، وعلى التعاطي بالسحر والدجل والخرافة، فلما جاء محمد بن عبدالله- صلى الله عليه وسلم - بدعوة التوحيد، ارتاع العرب واهتاجوا «كأنهم حمر مستنفرة، فرت من قسورة».. والملحظ الأهم - ها هنا - هو: أن الأصنام ظلت باقية في الكعبة حتى قوي الإسلام وظهر، وتم فتح مكة. وعندئذ طهر بيت الله ثم الجزيرة من الأصنام والأوثان بقوة سلطة الإسلام.. وهكذا يكون «الحكم الإسلامي» ظهيراً ونصيراً لـ «التوحيد».. وفي العصر الحديث، كان في مكة مظاهر متراكمة من البدع والخرافات والسحر والشعوذة، ولم تتجرد مكة وتتطهر من هذه الآفات إلا بقوة سلطان الملك عبدالعزيز رحمه الله، وقد تحدث شيخ علماء الجزائر: الشيخ محمد البشير الإبراهيمي حديثاً منصفاً ممتازاً عن جهود الملك عبدالعزيز في هذا المجال.
وهذه قضية كبيرة جداً في حقيقة الأمر.. فمن (المقاصد العليا) للأنبياء والمرسلين: تحرير العقل والقلب والإرادة والروح من أغلال السحر والكهانة والخرافة والدجل. ذلك أن «الشرك» قد اقترن وارتبط بالسحر والكهانة والخرافة في كل الأمم تقريباً، فاقتضت دعوة الأنبياء - من ثم - نقض هذه العاهات في سياق نقض الشرك والوثنية.. لقد بعث إبراهيم عليه السلام في قوم يعبدون الكواكب، ويحترفون التنجيم، ويتحاكمون إلى سحرتهم الكلدانيين، فكانت وظيفة الخليل الأولى هي: إقامة الحجة على بطلان ذلك كله: كمدخل إلى التوحيد الخالص.. وبعث موسى - عليه السلام - في قوم اغتال عقولهم السحر والسحرة، فلما أبطل موسى السحر - بعون الله - سطع نور التوحيد، فخر السحرة المؤمنون سجداً لربهم الحق سبحانه.. وبعث محمد - صلى الله عليه وسلم - في قوم افترستهم الوثنية وأفسد عقولهم وقلوبهم السحر والكهانة والوهم والخرافة، فعمد إلى تحرير العقول والقلوب من هذه الأغلال: كتوطئة لتوحيد الله وحده لا شريك له.
وخلاصة المقال: دعوة إلى إحياء عقيدة الإسلام بوجه عام، وإلى إحياء دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب بوجه خاص: إحياءً عميقاً موسعاً يطارد السحر والشعوذة والكهانة والدجل بلا هوادة، ولا فتور، ولا انقطاع: مطاردة ترتكز على مفاهيم التوحيد الخالص في تحرير العقل والقلب من هذه الأغلال.
































