المقالات

العدد 1949 - 24/03/2007



ســنة أولـى غـم!

كان ميلادي حدثاً تنتظره الأسرة بقلب واجف، فقد حملت أمي بعد زواجها، وحين جاء موعد الولادة، قال الطبيب: الجنين في وضع غير طبيعي، ونحن الآن أمام أمر من اثنين:
إما أن ننقذ الوالدة ونضحي بالجنين.. وإما أن ننقذ الجنين ونضحي بالوالدة!
وانتصر الرأي الأول، وتمت التضحية بالجنين..
وحين حملت أمي بعد ذلك كان الخوف هو الإحساس الغالب على الجميع.. ماذا لو تعسرت الولادة؟ ماذا لو عاد الموقف السابق إلى الحياة مرة أخرى؟
غير أنني خيبت التوقعات، وولدت قبل أن يحضر الطبيب ولادة سهلة للغاية.
وتجمع الخوف والحب حولي منذ البداية، ثم جاءت بعدي ثلاث شقيقات من الإناث.. كنت الولد الوحيد على ثلاث بنات.. كنت ديك البرابر كما يقولون في الأمثال الشعبية!
وكان المفروض ما دمت ولداً وحيداً على ثلاث بنات أن أتعرض للتدليل والفرفشة.. ولكن ما حدث هو العكس تماماً!
لست أعرف الآن هل كانت شقاوتي هي السبب في تعرضي لكثير من المشاكل الحرجة، أم أن الحب والخوف معاً دفعا الأسرة بأكملها إلى معاملتي بقسوة حتى لا يفسدني التدليل!
لست أعرف الجواب الحقيقي عن هذا السؤال المزدوج، وإن كنت أرجح أن شقاوتي وخوف الأسرة معاً كانا من الأسباب التي وضعتني تحت رقابة مستمرة، واستعدت اصطدامي المبكر بالسلطة.. كان أبي يمثل السلطة في بيتنا، هو الإمبراطور.. وكانت أمي تنتمي هي الأخرى للسلطة، وتمثل وزير الإمبراطور الأول.. وهكذا تحالف الإمبراطور ووزيره على شخصي الضعيف.. وسلّ الاثنان سيف الحزم والانضباط والصرامة.
وهكذا بدأت تمردي على السلطة منذ سن مبكرة للغاية.. كان أبي أستاذاً في المدارس الثانوية «محمد أفندي بهجت» فكان مدرساً من الرعيل الأول الذي يعتبر التدريس رسالة حيوية تأتي الأولى في مجال الأهمية.. وكان النجاح في المدرسة مسألة جوهرية للغاية، وكان التفوق أهم من النجاح.. فلا عبرة بهذا النجاح المتوسط التيلة..
إن الحمار يمكن أن ينجح نجاحاً متوسط التيلة، أما الإنسان وحده هو القادر على التفوق.
وعندما التحقت بالمدرسة، كانت هناك علوم أحبها، وعلوم أنفر منها.. ومن هنا خضعت معاملتي في البيت لدرجاتي المدرسية.. إذا كانت الدرجات عالية عوملت في البيت كإنسان له كل حقوق الإنسان، أما إذا انخفضت درجاتي تغيرت المعاملة إلى أسوأ درجاتها!
كان زملائي يخرجون من المدرسة إلى البيت كي يستريحوا من العناء.. أما أنا -من سوء الحظ- فكان البيت عندي مدرسة أيضاً!
ففي كل وقت من أوقات البيت كنت مهدداً بأن يسألني أبي سؤالاً في اللغة الإنجليزية.. لا يستطيع شكسبير الإجابة عنه!
وأحياناً كان يقول لي جملة ما، ويطلب مني إعرابها بالإنجليزية.. حتى جعلني أكره المدرسة والتعليم وكل شيء.. لأنه جعل حياتي سجناً محاطاً بأسوار شاهقة.. وتحولت السنة الأولى عندي إلى سنة أولى غم!